عاجل
السبت 17 أكتوبر 2026
رئيس مجلس الادارة
رجب رزق
رئيس التحرير
سامي خليفة
الرئيسية القائمة البحث

الرئيس السيسي يرسم مستقبل مصر ويدافع عن الأمة العربية

في لحظة إقليمية بالغة الدقة، تتشابك فيها التحديات الأمنية والسياسية، وتتزايد المخاطر التي تهدد استقرار المنطقة العربية، جاءت رسائل الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، لتؤكد أن مصر تدرك حجم مسؤولياتها التاريخية، وتتمسك بثوابتها الوطنية والعربية، وتوازن بين السعي إلى السلام والاستعداد للدفاع عن أمنها القومي وأمن أشقائها.

وقد حملت كلمة الرئيس خلال احتفالية تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية، اليوم السبت 17 أكتوبر 2026، رسائل متعددة تتجاوز حدود المناسبة، لتفتح نقاشًا مهمًا حول أمن الخليج، ومستقبل الدولة المصرية، واحترام الدستور، وإعداد قيادات قادرة على تحمل المسؤولية.

وتتصدر هذه الرسائل قضية أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، بعدما أكد الرئيس السيسي استعداد مصر لمساندة المملكة والدفاع عن أمنها وسيادتها إذا طلبت ذلك، مع الإشارة إلى المسار الدستوري والمؤسسي اللازم لاتخاذ الإجراءات المطلوبة.

وهي رسالة تعكس أن العلاقات المصرية الخليجية ليست مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، وإنما ترتكز على تاريخ طويل من التعاون والتضامن والمصالح المشتركة، وعلى إدراك بأن استقرار الدول العربية يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار المنطقة بأسرها.

ومن وجهة نظر كاتب المقال، فإن أهمية هذه الرسالة تكمن في أنها تضع الأمن العربي في مكانه الصحيح ضمن أولويات السياسة المصرية، وتؤكد أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج ليس بعيدًا عن حسابات الأمن القومي المصري.

فالجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية والتاريخ المشترك تجعل أي تهديد خطير لدول الخليج مصدر قلق مشروعًا لمصر، كما أن حماية استقرار المنطقة تتطلب تعاونًا عربيًا حقيقيًا، يتجاوز البيانات والمواقف الرمزية إلى التنسيق العملي المسؤول.

وتكتسب دعوة الرئيس مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة لمنح التفويض اللازم، إذا طلبت المملكة العربية السعودية من مصر اتخاذ إجراءات للدفاع عنها، أهمية سياسية ودستورية بالغة.

فهي تؤكد أن التعامل مع القضايا المصيرية لا ينبغي أن يكون ارتجاليًا أو قائمًا على الانفعال، وإنما يجب أن يستند إلى الدستور والقانون ومؤسسات الدولة المختصة، مع تقدير دقيق للظروف والنتائج والمسؤوليات المترتبة على أي خطوة.

إن الرسالة المصرية هنا واضحة: مصر لا تسعى إلى الحرب، ولا تبحث عن مواجهة مع أحد، لكنها في الوقت ذاته لا تتخلى عن مسؤولياتها تجاه أمنها القومي وأمن أشقائها في المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

والاستعداد للدفاع ،قد يمثل عاملًا من عوامل الردع التي تدفع الأطراف المختلفة إلى إعادة حساباتها، وتمنح المساعي الدبلوماسية فرصة أكبر لاحتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.

ولا يمكن قراءة موقف الرئيس السيسي بمعزل عن دعوته إلى وقف الحرب وإطفاء نيران الاقتتال.

فالدفاع عن الأمن العربي والسعي إلى السلام ليسا موقفين متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر.

فالحكمة السياسية تقتضي العمل بكل الوسائل الممكنة لوقف التصعيد، وحماية المدنيين، وصون المنشآت والمقدرات الاقتصادية، ومنع اتساع دائرة الصراع لتشمل دولًا وشعوبًا أخرى.

إن الحروب لا تترك آثارها على أطرافها المباشرين وحدهم، بل تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وفرص التنمية والاستثمار.

ومن ثم فإن وقف الحروب أصبح ضرورة إنسانية واقتصادية واستراتيجية، وليس مجرد شعار سياسي يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

ومن هنا تبرز أهمية الرؤية المصرية الداعية إلى تغليب صوت العقل، وإعطاء الأولوية للحوار والحلول السياسية، وعدم السماح للخلافات بأن تتحول إلى مواجهات تدفع الشعوب ثمنها من أمنها ومعيشتها ومستقبل أبنائها.

فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض المواجهات، وإنما كذلك بقدرتها على منعها، واحتواء الأزمات، وحماية مصالح شعوبها دون الانجرار إلى صراعات غير محسوبة.

ومن الرسائل المهمة التي تستحق التوقف أمامها تذكير الرئيس السيسي بمواقف الدول الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، وما قدمته من دعم ومساندة لمصر خلال مراحل صعبة من تاريخها الحديث.

فهذا التذكير يحمل معنى الوفاء المتبادل، ويؤكد أن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تُختزل في حسابات اللحظة، بل يجب أن تُقرأ في ضوء التاريخ والمواقف التي تظهر فيها حقيقة التضامن بين الأشقاء.

إن مصر لا تنسى من وقف إلى جانبها في أوقات الشدة، كما أن العلاقات العربية القوية لا تقوم على الأخذ دون العطاء، وإنما على إدراك المصالح المشتركة، واحترام السيادة، وتبادل الدعم وفقًا لقدرات كل دولة وظروفها.

ومن الضروري أن ينعكس هذا المعنى على الخطاب العام، خصوصًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يجب الابتعاد عن الإساءة إلى الشعوب والدول الشقيقة أو التقليل من مواقفها، لأن الخلافات السياسية لا تبرر الإساءة إلى الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع الشعوب العربية.

وفي تقديري، فإن التضامن العربي الحقيقي يحتاج إلى خطاب مسؤول، وإعلام واعٍ، وتنسيق مستمر بين الحكومات، وتعاون اقتصادي وأمني يرفع قدرة الدول العربية على مواجهة التحديات.

كما يحتاج إلى تجنب الشائعات والمعلومات غير الموثقة التي قد تثير الانقسام وتضعف الثقة بين الشعوب، في وقت تتطلب فيه الأزمات قدرًا أكبر من الحكمة والتماسك.

وعلى الصعيد الداخلي، حملت كلمة الرئيس السيسي رسائل تتعلق بالدستور ومستقبل الحياة السياسية، إذ أكد سيادته أن الدستور المصري لن يُمس، وأشار إلى أن عام 2030 يمثل نهاية فترة رئاسته رغم رفض غالبية الشعب المصري لهذا القرار.

وتحمل هذه الرسالة أهمية تتصل باحترام القواعد الدستورية المنظمة للحياة السياسية، وضرورة أن تعمل مؤسسات الدولة وفقًا للأطر القانونية التي تحدد الاختصاصات والمسؤوليات.

إن استقرار الدولة لا يقوم على قوة المؤسسات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى وضوح القواعد التي تنظم عملها، واحترام الدستور، وترسيخ مبدأ أن المسؤوليات العامة ترتبط بالواجبات والضوابط القانونية.

فالدولة القوية هي التي تمتلك مؤسسات قادرة على الاستمرار، وتعد كوادر مؤهلة، وتضمن انتقال المسؤوليات وفقًا للقواعد المنظمة، بما يحفظ استقرار المجتمع ومصالح المواطنين.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية حديث السيد الرئيس عن إعداد قيادات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية، وعدم ترك مستقبل الدولة رهينًا بغياب البدائل المؤهلة.

فالدول لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، مهما كانت قدراتهم، وإنما تُبنى بالمؤسسات الفعالة، ونظم الاختيار الموضوعية، والتدريب المستمر، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات الحقيقية للمشاركة في الإدارة العامة.

وتحمل الإشارة إلى إعداد كوادر من الحاصلين على درجتي الماجستير والدكتوراه وتأهيلهم بالأكاديمية العسكرية المصرية لمدة 30 شهرًا، وفقًا لما أُعلن سيادته بشأن البرنامج المقترح، دلالة مهمة على التوجه نحو الاستفادة من الكفاءات العلمية وإعداد عناصر تستطيع التعامل مع تعقيدات الإدارة الحديثة.

غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطًا بوضوح معايير الاختيار، وتكافؤ الفرص، والشفافية، وربط التدريب باحتياجات المؤسسات، وتقييم المتدربين وفقًا لنتائج موضوعية قابلة للقياس.

فالحصول على الدرجات العلمية يمثل عنصرًا مهمًا في بناء المعرفة، لكنه لا يكفي وحده لضمان النجاح في القيادة.

فالمسؤول الناجح يحتاج إلى النزاهة والخبرة العملية والقدرة على اتخاذ القرار والاستماع إلى الآخرين وتحمل تبعات القرارات، فضلًا عن احترام القانون والعمل على خدمة المواطنين.

ولذلك فإن بناء القيادات يجب أن يجمع بين المعرفة النظرية والتدريب العملي والخبرة الميدانية والتقييم المستمر.

ومن أهم ما يستحق الاهتمام في هذا الملف أن تكون الكفاءة هي المعيار الحقيقي لتولي المناصب العامة، بعيدًا عن المحسوبية والمجاملة والعلاقات الشخصية.

فالمناصب ليست امتيازات خاصة، وإنما مسؤوليات عامة تستوجب الأمانة والقدرة على الإنجاز، وأي برنامج يستهدف إعداد قيادات المستقبل ينبغي أن يترجم هذه المبادئ إلى قواعد واضحة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص.

كما أن تأكيد الرئيس أهمية عدم إعداد الأقارب أو أفراد الأسرة لتولي قيادة الدولة يعيد التأكيد على ضرورة الفصل بين المصلحة العامة والمصالح الشخصية، وعلى أن المسؤولية الوطنية لا تورث، وإنما تُكتسب بالجدارة والالتزام والقدرة على خدمة الوطن.

وفي النهاية، فإن الحكم على نجاح أي منظومة لإعداد القيادات يجب أن يستند إلى ما تحققه من كفاءة مؤسسية وتحسين للخدمات وحماية للمصلحة العامة.

وتظل الأسرة المصرية إحدى الركائز الأساسية في بناء الإنسان وترسيخ الانتماء الوطني.

فالوعي لا يبدأ من المؤسسات الرسمية وحدها، بل يبدأ داخل الأسرة، ويتعزز في المدرسة والجامعة ومكان العمل ووسائل الإعلام، ويكتمل من خلال احترام القانون والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

وكلما ارتفع مستوى الوعي، أصبح المجتمع أكثر قدرة على التمييز بين المعلومة والشائعة، وبين النقد المسؤول ومحاولات التشويه، وبين الاختلاف المشروع والسلوك الذي يهدد التماسك الوطني.

ومن هنا تأتي أهمية مواجهة الشائعات بالمعلومات الدقيقة والشفافية، وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة من خلال الأداء الجاد والاستجابة للمشكلات والالتزام بالقانون.

فالثقة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تُكتسب عندما يشعر المواطن بأن مؤسسات بلاده تعمل بكفاءة، وأن حقوقه مصونة، وأن المسؤولية العامة تخضع للمساءلة والمعايير الموضوعية.

أما القوات المسلحة المصرية، فتظل إحدى الركائز الأساسية لحماية الوطن وصون سيادته، بما تمتلكه من قدرات وخبرات واستعدادات.

وقد أكدت رسائل الرئيس أهمية الحفاظ على الجيش وتطوير قدراته، والاعتماد على العلم والانضباط والتدريب والكفاءة في بناء القوة، في ظل المتغيرات الإقليمية التي تتطلب استعدادًا دائمًا وقدرة على التعامل مع المخاطر.

كما أن الإشارة إلى ما ينص عليه الدستور بشأن مهام القوات المسلحة تبرز أهمية دورها في حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، والعمل في إطار الدستور والقانون، وصون المقومات الأساسية للدولة ومكتسبات الشعب وحقوق الأفراد وحرياتهم.

فالقوات المسلحة مؤسسة وطنية تؤدي واجباتها لحماية الدولة والشعب، ويظل الحفاظ على كفاءتها واستعدادها مسؤولية استراتيجية لا تحتمل التهاون.

ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في رسائل الرئيس، خاصة ما يتعلق بتقدير تضحيات الشهداء والمصابين ورعاية أسرهم. فهؤلاء قدموا تضحيات كبيرة من أجل أمن الوطن واستقراره، ومن واجب الدولة والمجتمع الحفاظ على حقوقهم، ومساندة أسرهم، وتقدير ما بذلوه من أجل حماية مصر.

إن الوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات فقط، بل باستمرار الرعاية والاهتمام وتحسين حياة أسرهم وصون كرامتهم.

كما أن دور الأكاديمية العسكرية المصرية لم يعد مقتصرًا على التدريب العسكري التقليدي، بل أصبح مرتبطًا بإعداد وتأهيل الكوادر وفقًا للبرامج المعلنة واحتياجات الدولة.

وتظل مسؤولية الخريجين الجدد كبيرة، إذ يتعين عليهم ترجمة ما اكتسبوه من علم وانضباط إلى أداء عملي يتسم بالإخلاص والاحترافية واحترام القانون، والعمل من أجل حماية الوطن وخدمة المواطنين.

ومن المهم كذلك أن ندرك أن الإنجازات التي تحققت في بناء مؤسسات الدولة وتطوير قدراتها لا تعني انتهاء التحديات، بل تفرض استمرار العمل والإصلاح والتقييم.

فالدول التي تطمح إلى مستقبل أفضل تحتاج إلى تطوير إداري متواصل، وتحسين جودة التعليم والخدمات، وتعزيز الإنتاج، وتوسيع فرص العمل، والاستفادة من الطاقات العلمية والشبابية، حتى تتحول الكفاءات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

إن الرسائل التي حملتها كلمة الرئيس السيسي يمكن قراءتها باعتبارها دعوة إلى بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في اختيار قياداتها، واعية بتحدياتها، متمسكة بدستورها، قادرة على حماية أمنها القومي، ومنفتحة على التعاون العربي والدولي، وحريصة في الوقت نفسه على تجنب الحروب التي تستنزف الموارد وتعرقل التنمية.

والأهم أن حماية الأمن القومي العربي لا ينبغي أن تقتصر على الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، بل يجب أن تمتد إلى بناء منظومة عربية أكثر تعاونًا في مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والتجارة وحماية الممرات البحرية، مع دعم المسارات الدبلوماسية التي تمنع النزاعات وتحد من آثارها.

فكلما ازدادت قدرة الدول العربية على التعاون والتكامل، أصبحت أكثر قدرة على حماية مصالحها والتعامل مع الضغوط الخارجية.

وفي النهاية، فإن رسالة الرئيس عبدالفتاح السيسي الأساسية، كما يمكن قراءتها في ضوء هذه المحاور، تتمثل في أن مصر تتمسك بالسلام، لكنها لا تتخلى عن مسؤولياتها تجاه أمنها وأمن أشقائها؛ وتحترم الدستور، وتسعى إلى إعداد قيادات جديدة؛ وتحافظ على قواتها المسلحة، وتؤكد أهمية الأسرة والوعي الوطني وتماسك المجتمع.

إن رسم خط أحمر لحماية أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج ليس دعوة إلى الحرب، بل تأكيد على أن السلام يحتاج إلى مسؤولية، وأن التضامن العربي يحتاج إلى مواقف واضحة، وأن حماية الأوطان تتطلب القوة والحكمة معًا.

وتبقى الأولوية أن تتضافر الجهود العربية لوقف الحروب، واحترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، والحفاظ على مقدرات الشعوب، حتى لا تدفع الأجيال القادمة ثمن صراعات كان من الممكن احتواؤها بالحوار والحكمة والعمل المشترك.