عاجل
الإثنين 05 أكتوبر 2026
رئيس مجلس الادارة
رجب رزق
رئيس التحرير
سامي خليفة
الرئيسية القائمة البحث

الرئيس السيسي يقود تحركًا أفريقيًا من العلمين

تحولت مدينة العلمين الجديدة، على مدار يومي 3 و4 أكتوبر 2026، إلى مركز أفريقي لصناعة القرار السياسي والاقتصادي، بعدما شهدت سلسلة من القمم واللقاءات رفيعة المستوى، قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمشاركة عدد من القادة الأفارقة، وممثلي المؤسسات القارية والدولية، وقيادات القطاع الخاص ومجتمع الأعمال، في تحرك مصري يستهدف دعم الأمن والاستقرار، وتعزيز التنمية والتكامل الاقتصادي والاستثمار في القارة الأفريقية.

وجاءت الفعاليات لتؤكد أن الرؤية المصرية تجاه أفريقيا لم تعد تقتصر على التعاون السياسي والأمني، وإنما تمتد إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية مستدامة، تقوم على تطوير البنية التحتية، وتعزيز التجارة والاستثمار، ودعم التصنيع، والطاقة، والزراعة، والتحول الرقمي، والابتكار، وتمكين الشباب ورواد الأعمال، بما يساهم في تحويل الإمكانات والثروات الأفريقية إلى مشروعات إنتاجية حقيقية وفرص عمل مستدامة.

واكتسبت مدينة العلمين الجديدة دلالة خاصة باستضافتها هذه الفعاليات، باعتبارها مدينة حديثة تستضيف قادة أفريقيا ومؤسسات التمويل ومجتمع الأعمال، في مشهد يعكس قدرة القارة على تحويل التحديات التاريخية إلى فرص للتنمية والسلام والتعاون، ويجسد الدور المصري في بناء جسور جديدة بين القرار السياسي والقدرة الاقتصادية.

وشهد يوم 3 أكتوبر افتتاح الرئيس السيسي الدورة الأولى من منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»، الذي تستضيفه مصر بمدينة العلمين الجديدة، بمشاركة واسعة من القادة والمسؤولين الأفارقة وممثلي مجتمع الأعمال والمؤسسات الاقتصادية والمالية الأفريقية والدولية.

ويأتي المنتدى ثمرة مبادرة مصرية أقرها الاتحاد الأفريقي، على أن يعقد بصورة دورية كل عامين بمدينة العلمين، بتنظيم مشترك بين الحكومة المصرية ومفوضية الاتحاد الأفريقي ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا – نيباد» وبنك التصدير والاستيراد الأفريقي، بما يوفر منصة مستدامة للحوار بين صناع القرار والمستثمرين والمؤسسات التمويلية والقطاع الخاص.

ويستهدف المنتدى دعم التجارة البينية الأفريقية، وتعميق التكامل الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتمويل المشروعات العابرة للحدود، وربط الأسواق الأفريقية، إلى جانب فتح المجال أمام الشركات الكبرى والشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يساعد على خلق فرص عمل جديدة وتعظيم الاستفادة من الموارد والثروات الأفريقية.

وأكدت الرؤية المصرية خلال المنتدى أهمية انتقال أفريقيا من تصدير المواد الخام إلى التصنيع وإضافة القيمة، وبناء سلاسل قيمة محلية وقارية، والاستفادة من التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي، باعتبارها أدوات أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز قدرة الاقتصادات الأفريقية على المنافسة.

وفي إطار دعم الاستثمار الأفريقي، استقبل الرئيس السيسي رجل الأعمال الأفريقي أليكو دانجوتي، مؤسس ورئيس مجموعة «دانجوتي»، حيث تناول اللقاء فرص تعزيز التعاون والاستثمارات في عدد من القطاعات، من بينها الطاقة والأسمدة والكيماويات والأسمنت، مع التأكيد على أهمية الدور الذي يؤديه القطاع الخاص الأفريقي في دفع عملية التنمية والتكامل الاقتصادي بالقارة.

وأكد الرئيس السيسي ترحيب مصر بالاستثمارات الجديدة، واستعداد الدولة لتقديم التيسيرات اللازمة أمام المستثمرين، بما يعزز البيئة الاستثمارية ويفتح آفاقًا أوسع أمام القطاع الخاص الأفريقي.

كما ترأس الرئيس السيسي، بالمشاركة مع الرئيس الأنجولي جواو مانويل لورينسو، قمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا – نيباد»، بمشاركة ممثلي الدول المؤسسة وعدد من القيادات الأفريقية ومفوضية الاتحاد الأفريقي والوكالة.

وجاءت القمة بعد مرور 25 عامًا على إطلاق مبادرة «نيباد»، لتؤكد ضرورة الانتقال من مرحلة وضع الخطط والرؤى إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، من خلال توفير التمويل اللازم للمشروعات القارية، وتسريع تنفيذ مشروعات البنية التحتية والنقل والطاقة والتصنيع والتجارة، وتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن الأفريقي.

وشدد الرئيس السيسي على أهمية التكنولوجيا والتحول الرقمي والابتكار واقتصاد المعرفة، والاستثمار في الإنسان والشباب، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير البنية التحتية والأطر التشريعية، وتوسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما تناولت القمة التحديات المرتبطة بتمويل التنمية، والحاجة إلى ابتكار آليات تمويل جديدة قادرة على توفير الموارد اللازمة لتنفيذ المشروعات الكبرى التي تحتاجها القارة.

وأسفرت قمة الدول المؤسسة عن «إعلان العلمين» الخاص بأودا – نيباد، الذي أكد الالتزام بمواصلة العمل من أجل بناء أفريقيا متكاملة ومزدهرة وآمنة وسلمية وقادرة على الاعتماد على إمكاناتها، من خلال شراكة فاعلة بين الحكومات والشعوب والقطاع الخاص والتجمعات الاقتصادية الإقليمية والشركاء الدوليين.

وركز الإعلان على تحويل الإمكانات الأفريقية إلى مشروعات إنتاجية، ودعم البنية التحتية وممرات النقل واللوجستيات والطاقة والتصنيع والتجارة والاستثمار، وتطوير آليات التمويل القارية، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويحقق أهداف أجندة أفريقيا 2063.

وحظي ملف المياه باهتمام كبير خلال الاجتماعات، في ضوء تركيز الاتحاد الأفريقي خلال عام 2026 على ضمان توافر المياه بصورة مستدامة وتوفير خدمات الصرف الصحي الآمنة، باعتبار المياه أحد أهم ركائز التنمية والاستقرار والأمن الغذائي والصحة والطاقة والزراعة والصناعة.

وفي هذا السياق، بحث الرئيس السيسي مع الرئيس إيفاريست نداييشيميي، رئيس بوروندي والرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، عدداً من الملفات، وفي مقدمتها قضية المياه، والتعاون بين دول حوض النيل، مع التأكيد على أهمية احترام حقوق ومصالح جميع الدول، وعدم الإضرار بمصالح دول المصب، وتعزيز الحوار والتعاون بما يخدم شعوب القارة.

كما استقبل الرئيس السيسي الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، حيث أكد دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الصومال، ومساندة مؤسسات الدولة الصومالية، وتعزيز قدراتها الأمنية والتنموية، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

وشملت المباحثات كذلك قضايا البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وأهمية تعزيز التنسيق بين الدول المعنية، بما يدعم الأمن والاستقرار وحرية الملاحة وحماية حركة التجارة الدولية.

والتقى الرئيس السيسي كذلك الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، في أول زيارة له إلى مصر، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية ودعم خطط التنمية في السنغال، من خلال الاستفادة من الخبرات المصرية في مجالات البنية التحتية والزراعة والري واستصلاح الأراضي والطاقة، إلى جانب توسيع التعاون التجاري والاستثماري وتشجيع الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين.

كما تناول اللقاء ملف المياه وأهمية تعزيز التعاون والحوار بين دول القارة، والالتزام بمبادئ عدم الإضرار بمصالح الدول، بما يدعم التنمية والاستقرار.

وفي لقاء آخر، بحث الرئيس السيسي مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، تطورات الأوضاع في السودان، حيث جددت مصر دعمها الكامل للشعب السوداني، وتمسكها بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، وضرورة التوصل إلى حل سياسي ينهي الحرب ويخفف المعاناة الإنسانية ويمهد الطريق أمام إعادة الإعمار والتنمية.

واختتمت هذه التحركات بالقمة التشاورية الرباعية التي استضافتها مدينة العلمين الجديدة يوم 4 أكتوبر، بمشاركة مصر وإريتريا والصومال والسودان، بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

وناقش القادة خلال القمة عدداً من القضايا الإقليمية والدولية، وسبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري، مؤكدين احترام مبادئ القانون الدولي وسيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم الحلول السياسية والسلمية للأزمات.

وأكد القادة دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء كيانات موازية أو أي إجراءات تهدد وحدة الدولة السودانية، مع التأكيد على أن الحل السياسي يجب أن يكون سودانيًا ويحظى بملكية وطنية.

كما أكدوا دعم وحدة وسيادة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي تدخلات أو إجراءات تستهدف وحدة الدولة الصومالية، بما في ذلك رفض الاعتراف أو تقديم الدعم لما يسمى «أرض الصومال» بصورة تضر بسيادة الصومال ووحدته.

وشدد القادة على أهمية دعم جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرة الدولة الصومالية على بسط سيطرتها على كامل أراضيها، مع الدعوة إلى توفير تمويل مستدام وكافٍ ويمكن التنبؤ به لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال «AUSSOM»، بما يمكنها من أداء مهامها ودعم عملية الانتقال الأمني.

وفيما يتعلق بالبحر الأحمر، أكد القادة أهمية حرية الملاحة وتأمين حركة التجارة الدولية، مع التأكيد على أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، وأن التعاون بين هذه الدول يمثل الأساس لضمان أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.

كما تناولت القمة ملف المياه العابرة للحدود، وخاصة نهر النيل، مع التأكيد على الالتزام بقواعد القانون الدولي ومبدأ عدم الإضرار، وأهمية الإخطار والتشاور المسبق والتوصل إلى توافق بشأن الإجراءات التي يمكن أن تؤثر على استخدامات الدول المتشاطئة، ورفض الإجراءات الأحادية التي تلحق الضرر بالاستخدامات القائمة لدول المصب.

واتفق القادة على تعزيز آليات التشاور والتنسيق بينهم، مع وضع آلية لمتابعة تنفيذ مخرجات القمة، وعقد القمة بصورة دورية أو كلما دعت الحاجة، بما يحولها إلى إطار مستدام للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي بين الدول الأربع.

وفي هذا السياق، أكدت مصر أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة، وأن جذب الاستثمارات وتنفيذ المشروعات الكبرى يحتاجان إلى بيئة مستقرة وآمنة، في حين أن تحقيق الأمن المستدام يتطلب اقتصادًا قويًا يوفر فرص العمل ويحسن مستوى المعيشة ويعالج جذور الأزمات.

وبينما وضع «إعلان العلمين» الخاص بأودا–نيباد مسارًا للتنمية والتكامل الاقتصادي وتمويل المشروعات، وضع «إعلان العلمين المشترك» للقمة الرباعية إطارًا سياسيًا وأمنيًا وإقليميًا لحماية الاستقرار والسيادة وتهيئة البيئة اللازمة للتنمية، لتلتقي في العلمين معادلتان متكاملتان: التنمية التي تحتاج إلى أمن، والأمن الذي يستمد استدامته من التنمية.

وشارك الرئيس السيسي كذلك في أعمال الاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية والآليات الإقليمية، والذي تناول عدداً من الملفات المرتبطة بمستقبل العمل الأفريقي المشترك، وفي مقدمتها المياه والصرف الصحي، والتكامل الاقتصادي، والتجارة البينية، ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والتطوير المؤسسي، حيث ألقى الرئيس السيسي الكلمة الختامية للاجتماع.

وتكشف مجمل تحركات مصر في العلمين عن رؤية متكاملة لا تفصل بين السياسة والاقتصاد والأمن والتنمية، وإنما تسعى إلى تحويل القمم والاجتماعات إلى آليات عمل ومشروعات قابلة للتنفيذ، وربط صناع القرار بالمستثمرين ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل الأفريقي المشترك.

وتظل الأولوية أمام القارة الأفريقية هي الانتقال من امتلاك الموارد والأسواق والموقع الجغرافي والثروة البشرية إلى امتلاك القدرة على التصنيع والإنتاج والتصدير، وبناء سلاسل قيمة أفريقية، وتطوير شبكات النقل والطاقة واللوجستيات، وتعزيز الزراعة الحديثة والأمن الغذائي، ودعم الاقتصاد الرقمي، وتوطين الصناعات الغذائية والدوائية، وتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة.

كما يمثل الاستثمار في الشباب والمرأة، والتعليم والتدريب والبحث العلمي وريادة الأعمال، أحد أهم مفاتيح تحويل الطاقات البشرية الهائلة في القارة إلى قوة إنتاجية قادرة على صناعة المستقبل.

ومن هنا تبرز أهمية استمرار منصة «العلمين – أفريقيا للأعمال» كإطار دوري يجمع الحكومات والمؤسسات القارية والدولية ومؤسسات التمويل والمستثمرين ورجال الأعمال، بما يضمن الانتقال من الحوار إلى المشروعات، ومن التفاهمات إلى التنفيذ، ومن الخطط إلى نتائج يشعر بها المواطن الأفريقي.

لقد قدمت العلمين خلال يومين نموذجًا لتحرك أفريقي يجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن والتنمية، ويؤكد أن مستقبل القارة لن يُبنى فقط عبر البيانات والقمم، وإنما عبر مشروعات حقيقية وتمويل مستدام وشراكات فاعلة وإرادة سياسية قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات.

وفي القلب من هذا التحرك جاءت الرؤية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتؤكد أن أفريقيا قادرة على صناعة مستقبلها إذا أحسنت استثمار مواردها وأسواقها وشبابها، وعززت التعاون بين دولها، ووسعت دور القطاع الخاص، ووفرت البيئة الآمنة والمستقرة للاستثمار والتنمية.