24 شحنة في الطريق.. تفاصيل توقيع مصر اتفاقية للغاز المسال مع قطر
وقعت مصر اتفاقية جديدة مع دولة قطر لتوريد الغاز الطبيعي المسال وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، في خطوة تعكس سعي القاهرة إلى تثبيت أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.
وجاء الاتفاق بعد أسابيع قليلة من إعلان اتفاق طويل الأجل بين مصر وإسرائيل، ما وضع السياسة المصرية في ملف الطاقة تحت مجهر سياسي وإعلامي داخلي وخارجي، وفتح نقاشا واسعا حول توازن المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأخلاقية المرتبطة بالحرب في غزة، وفقا لصحيفة ذا ناشيونال.
ويستهدف الاتفاق المصري القطري بالأساس تأمين احتياجات مصر المتزايدة من الغاز خلال فترات الذروة، خاصة في أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعا حادا في استهلاك الكهرباء. وبموجب الترتيبات الجديدة، من المنتظر أن تستقبل مصر نحو 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر، عبر موانئ العين السخنة ودمياط، ما يعزز قدرة الشبكة المصرية للكهرباء.
وتواجه مصر منذ عدة أعوام تحديا متناميا يتمثل في تراجع الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، في مقابل ارتفاع مستمر في الطلب بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي. وعلى الرغم من الاكتشافات الكبرى التي حققتها مصر في شرق المتوسط خلال العقد الماضي، فإن معدلات الإنتاج لم تعد كافية وحدها لتغطية الاستهلاك المحلي، وهو ما دفع الحكومة إلى البحث عن حلول سريعة وتتسم بالمرونة عبر الاستيراد.
وفي هذا السياق، تأتي قطر كأحد أبرز اللاعبين العالميين في سوق الغاز الطبيعي المسال، كونها من أكبر المصدرين في العالم وتمتلك بنية تحتية متقدمة وقدرات تصديرية ضخمة. ولا يقتصر التعاون بين القاهرة والدوحة على الجانب التجاري فحسب، بل يمتد إلى شراكات فنية واستثمارية في مجالات التخزين والنقل والبنية التحتية والاستكشاف، وهو ما يمنح الاتفاق بعدا إستراتيجيا يتجاوز فكرة تأمين الشحنات الموسمية.
وتحمل الاتفاقية أيضا دلالات سياسية لا يمكن فصلها عن توقيتها. فقد جاءت بعد إعلان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي عن اتفاق ضخم لتصدير الغاز إلى مصر حتى عام 2040، وهو إعلان أثار موجة انتقادات واسعة داخل مصر، في ظل الغضب الشعبي من العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين. ورغم تأكيد الحكومة المصرية أن الاتفاق مع إسرائيل ذو طبيعة تجارية بحتة ولا يحمل أي التزامات سياسية، فإن الرأي العام ظل عازفا عن أي اتفاقيات تبرم مع تل أبيب.
ومن هنا، يرى محللون أن الاتفاق مع قطر يمنح القاهرة هامشا أوسع للمناورة، ويساعدها على إظهار أنها لا تربط أمنها في ملف الطاقة بطرف واحد، ولا تجعل من إسرائيل شريكا حصريا في هذا الملف الحساس. كما أن اختيار قطر، التي تلعب دورا محوريا في الوساطة بملف غزة وتتبنى خطابا داعما لإعادة إعمار القطاع، يضيف بعدا رمزيا يخفف من حدة الانتقادات الموجهة للسياسة المصرية.
واقتصاديا، يعزز الاتفاق طموح مصر في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز في شرق المتوسط. فالقاهرة تمتلك بالفعل بنية تحتية نادرة في المنطقة، تشمل محطات إسالة قادرة على استقبال الغاز من مصادر متعددة وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية. ومن خلال توسيع شراكاتها مع دول منتجة كبرى مثل قطر، تسعى مصر إلى تعظيم الاستفادة من هذه الميزة وتحويل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية إلى رافعة اقتصادية مستدامة.
وفي المقابل، تستفيد قطر من تعزيز حضورها في السوق المصرية ومن توسيع نفوذها في شرق المتوسط، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو من خلال الشراكات التقنية. كما ينسجم الاتفاق مع إستراتيجية الدوحة الرامية إلى تنويع أسواقها وتعميق علاقاتها مع دول محورية في المنطقة، في ظل منافسة متزايدة بين كبار مصدري الغاز عالميا.
سياسيا، يعكس الاتفاق محاولة مصرية للفصل بين ملفات الطاقة والملفات الدبلوماسية الشائكة دون القطيعة مع أي طرف. فالقاهرة تدرك أن استقرارها الاقتصادي يتطلب قرارات براغماتية في مجال الطاقة، لكنها في الوقت ذاته تحاول الحفاظ على دورها التقليدي كوسيط إقليمي، خاصة في القضية الفلسطينية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الاتفاق مع قطر كجزء من سياسة توازن دقيقة بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الإستراتيجية.
ومع ذلك، يبقى هذا التوازن عرضة للاختبار في ظل تطورات إقليمية متسارعة، تشمل استمرار الحرب في غزة، وتصاعد التوترات في شرق المتوسط، وتغير خريطة التحالفات الطاقية عالميا. فأي تصعيد جديد قد يعيد طرح الأسئلة نفسها حول حدود الفصل بين الاقتصاد والسياسة، وحول قدرة مصر على الحفاظ على هذا الخط الرفيع دون كلفة داخلية أو خارجية.
وتمثل اتفاقية الغاز بين مصر وقطر خطوة مهمة في مسار إعادة ترتيب أولويات القاهرة، وتأكيدا على سعيها لتعدد الشراكات وتخفيف الاعتماد على مصدر واحد. لكنها في الوقت ذاته تعكس حجم التعقيد الذي بات يحيط بملف الطاقة في المنطقة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الصراعات السياسية، ويصبح كل اتفاق بمثابة رسالة تتجاوز أرقامه وبنوده إلى ما هو أبعد من ذلك.