اكتشاف مقابر من عصر الدولة القديمة في الصعيد
في كشف أثري جديد يعيد تسليط الضوء على عمق الحضارة المصرية، أعلن علماء آثار عن اكتشاف مجموعة مقابر تعود إلى عصر الدولة القديمة في صعيد مصر، في اكتشاف يفتح نافذة جديدة على واحدة من أكثر الفترات رسوخا في تاريخ وادي النيل.
وذكرت مجلة آركيولوجي ماجزين البريطانية أن المقابر المكتشفة، التي تعود إلى الأسرة الخامسة والسادسة تقريبا بين عامي 2500 و2200 قبل الميلاد، تضم عددا من آبار الدفن والنقوش الجدارية التي ما زالت تحتفظ بألوانها الأصلية في بعض المواضع.
ويكتسب هذا الاكتشاف المزيد من الأهمية لأنه يقدم أدلة جديدة حول البنية الاجتماعية والإدارية في تلك المرحلة التي شهدت تطورا ملحوظا في جهاز الدولة المركزية.
وتصور الرسوم والنقوش التي عثر عليها داخل المقابر مشاهد من الحياة اليومية، بينها أعمال الزراعة والصيد وصناعة الخبز وتربية الماشية، إضافة إلى طقوس دينية وجنازية. هذا التنوع يعكس رؤية المصريين القدماء للعالم الآخر، حيث كان المتوفى يحتاج إلى تمثيل كامل لأنشطة الحياة لضمان استمرارها بعد الموت.
ومن بين أبرز ما كشفته الحفريات ألقاب إدارية لكبار موظفي الدولة، مثل المشرفين على المخازن الملكية والكهنة المرتبطين بعبادة الملوك، وهو ما يشير إلى أن المدفونين كانوا ينتمون إلى طبقة النخبة المحلية التي لعبت دورا في إدارة الأقاليم الجنوبية. هذه النقوش تساعد الباحثين في إعادة رسم خريطة النفوذ الإداري خارج العاصمة القديمة في ممفيس.
وكشف التحليل الأولي للبقايا العضوية ومواد الدفن استخداما متقدما للمواد الحجرية والخشبية، إلى جانب تمائم جنائزية تعكس تطورا في المعتقدات الدينية خلال أواخر الدولة القديمة.
كما تم العثور على ممرات دفن متعددة الطبقات، ما يشير إلى استخدام المقابر عبر أجيال متعاقبة، وهو ما يضيف بعدا زمنيا متداخلا للموقع.
ويأتي هذا الكشف في سياق موجة من الاكتشافات الأثرية في صعيد مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث تسعى البعثات المصرية والدولية إلى إعادة تقييم دور الأقاليم الجنوبية في صياغة تاريخ الدولة القديمة، بدلا من حصر النفوذ في العاصمة فقط.
ويرى باحثون أن مثل هذه الاكتشافات تؤكد أن الصعيد كان شريكا فاعلا في الإدارة والاقتصاد والدين، وليس مجرد هامش جغرافي.
واشارت المجلة إلى أن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على القيمة العلمية، بل تمتد إلى بعد ثقافي وسياحي، إذ تعزز هذه النتائج مكانة الصعيد كمتحف مفتوح يعكس مراحل متعاقبة من التاريخ المصري.
ومع استمرار أعمال التنقيب، يتوقع الباحثون الكشف عن مزيد من الحجرات، والتماثيل، والأواني، والنقوش، والتمائم، وأدوات الحياة اليومية التي قد تسهم في فهم أعمق للعلاقات بين السلطة المركزية والنخب المحلية في نهاية الدولة القديمة، وهي الفترة التي سبقت التحولات السياسية الكبرى التي أدت إلى عصر الاضمحلال الأول.
بهذا الكشف، يضيف علم الآثار فصلا جديدا إلى سجل الدولة القديمة، مؤكدا أن رمال الصعيد ما زالت تخبئ تفاصيل دقيقة عن مجتمع تمكن قبل أكثر من أربعة آلاف عام من بناء هرم إداري وحضاري متكامل، ترك بصمته في الذاكرة الإنسانية حتى اليوم.