النائب محمد رزق يكتب : الجيش العربي المشترك.. من فكرة مؤجلة إلى ضرورة لا تحتمل التأخير
على مدار السنوات الماضية، أثبتت الأحداث المتلاحقة في المنطقة العربية أن الخطر حين يقترب من دولة عربية، فإنه لا يهدد حدودها وحدها، بل يهدد الأمن القومي العربي بأكمله.
ومن هنا، تعود فكرة الجيش العربي المشترك لتفرض نفسها من جديد، لا باعتبارها طرحًا نظريًا أو حلمًا سياسيًا بعيد المنال، بل باعتبارها ضرورة قصوى لحماية الأمن والاستقرار وصون مقدرات الشعوب العربية.
في عام 2015، كانت مصر من أوائل الدول التي طرحت بوضوح فكرة إنشاء جيش عربي مشترك، انطلاقًا من رؤية استراتيجية مبكرة أدركت أن المنطقة مقبلة على تحديات غير تقليدية، وصراعات معقدة، ومحاولات مستمرة لإضعاف الدولة الوطنية العربية من الداخل والخارج. لكن هذه الفكرة، في ذلك الوقت، لم تحظَ بالدعم الكافي، ولم تجد الإرادة العربية الجامعة التي تحولها من مشروع مطروح إلى واقع قائم.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، أن مصر ليست منوطًا بها وحدها الدفاع عن الدول العربية كافة، رغم مكانتها التاريخية، وثقلها العسكري، ودورها المحوري في حماية الأمن القومي العربي. فمصر دولة مركزية وكبيرة، لكنها ليست مطالبة بأن تتحمل وحدها أعباء المواجهة عن أمة كاملة، بينما يتراجع البعض إلى مقاعد المراقبة أو الاكتفاء ببيانات الدعم والتأييد.
لقد وقفت مصر في مواقف مصيرية كثيرة مدافعة عن قضايا الأمة، وتحملت كلفة سياسية واقتصادية وأمنية ضخمة دفاعًا عن ثوابت عربية لا تخصها وحدها، بل تخص الجميع. وكان من أبرز هذه المواقف رفضها الحاسم لمحاولات تهجير الفلسطينيين إلى داخل الأراضي المصرية، وهو موقف لم يكن دفاعًا عن السيادة المصرية فقط، بل كان أيضًا دفاعًا عن القضية الفلسطينية نفسها، ورفضًا لتصفيتها على حساب الجغرافيا المصرية والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
وفي هذه القضية تحديدًا، شعر كثيرون أن مصر تُركت وحدها في مواجهة ضغوط هائلة، بينما كان المنتظر موقفًا عربيًا أكثر تماسكًا ووضوحًا وصلابة، يوازي حجم الخطر الذي يهدد المنطقة بأكملها. لأن تهجير الفلسطينيين ليس خطرًا على مصر وحدها، بل هو سابقة خطيرة تمس مستقبل القضية الفلسطينية، وتهدد الأمن القومي العربي من أوسع أبوابه.
لقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على القواعد الأجنبية لم يحقق للعرب الأمن الكامل الذي كان مأمولًا، بل فتح في أحيان كثيرة بابًا واسعًا لتعقيد المشهد الإقليمي. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بوضوح: هل دافعت القواعد الأمريكية فعلًا عن دول الخليج، أم أنها تحولت مع الوقت إلى دافع قوي وذريعة مباشرة لاستهداف هذه الدول وإقحامها في صراعات أكبر؟ وخلال التصعيد الإقليمي الأخير في مارس 2026، أفادت تقارير بأن إيران استهدفت منشآت وقوات أمريكية في الخليج، كما اتهمت واشنطن باستخدام مواقع ومرافق في دول خليجية لشن عمليات ضدها، وهو ما وسّع دائرة الخطر على دول المنطقة نفسها.
والحقيقة أن أي وجود عسكري أجنبي، مهما كانت مبرراته، لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن منظومة أمن عربي خالصة، تنطلق من مصالح العرب أنفسهم لا من حسابات القوى الدولية. فالقواعد الأجنبية قد توفر ردعًا في لحظة، لكنها قد تجعل الأرض العربية أيضًا ساحة رسائل نارية متبادلة بين قوى كبرى وإقليمية، بينما تدفع الشعوب العربية ثمن التصعيد. وفي المقابل، فإن بناء قوة عربية مشتركة يبعث برسالة مختلفة تمامًا: أن العرب قادرون على حماية أمنهم بأنفسهم، وأن استقرارهم لا يجب أن يبقى مرهونًا بوجود أجنبي قد يتحول من عنصر حماية إلى سبب مباشر في الاستهداف والتوتر. وهذا ينسجم مع مواقف خليجية رسمية تؤكد أهمية العمل الدفاعي الجماعي العربي والخليجي، ومنها التأكيد المتكرر على دور قوات درع الجزيرة كإطار دفاعي مشترك.
من هنا، لم يعد الحديث عن الجيش العربي المشترك رفاهية سياسية، ولا عنوانًا للاجتماعات البروتوكولية، بل أصبح درسًا فرضه الواقع، وإنذارًا لا يجب تجاهله مرة أخرى. فالعالم من حولنا لا يعترف إلا بالقوة المنظمة، والتحالفات الجادة، والقدرة على التحرك السريع لحماية المصالح والحدود والحقوق. أما التشرذم، والاعتماد على ردود الأفعال الفردية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الضعف واستباحة القرار العربي.
إن التحديات التي تواجهها الأمة العربية اليوم — من محاولات تقسيم، وتهجير، وتدخلات إقليمية ودولية، واستهداف مباشر لمفهوم الدولة الوطنية — تؤكد أن الأمن العربي لم يعد يحتمل الحسابات الضيقة أو الخلافات المؤقتة. بل يحتاج إلى رؤية جديدة تؤمن بأن الدفاع المشترك ليس ترفًا، بل هو أساس البقاء.
لقد كانت مصر سباقة في قراءة المشهد، وربما لم تجد وقتها من يستوعب حجم ما هو قادم. أما اليوم، وبعد كل ما جرى، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى جيش عربي مشترك؟ بل أصبح: كم سيدفع العرب ثمنًا إضافيًا إذا استمر تأجيل هذه الخطوة؟
إن الأمل باقٍ في أن تكون الدول العربية قد تعلمت الدرس جيدًا، وأن تدرك أن المرحلة لم تعد تحتمل التردد، وأن وحدة المصير تفرض وحدة القرار، ووحدة القرار تفرض أدوات حقيقية للحماية، في مقدمتها قوة عربية مشتركة تردع الأخطار، وتحمي الأوطان، وتصون ما تبقى من الأمن القومي العربي.
فالتاريخ لا يرحم المتأخرين، والأمم لا تُحمى بالنوايا وحدها، بل بالإرادة، والاستعداد، والعمل .