د. محمد سعد الدين : الدولة المصرية تمتلك إدارة سياسية قادرة على إدارة الأزمات
تأثير الحرب الإيرانية الأمريكية على وضع الغاز في مصر والعالم
أكد الدكتور محمد سعد الدين،رئيس لجنة الطاقة باتحاد الصناعات ورئيس جمعية مستثمري الغاز المسال ،رئيس مجموعة سعد للطاقة، أن أي حرب تؤثر بشكل مباشر على إمدادات الغاز وسياسات التموين، لاسيما حرب الخليج نظراً لوجود مضيق هرمز الذي يمر عبره الغاز القادم من إيران وقطر والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وأوضح أن هذه الدول تنتج مجتمعة نحو 20% من إجمالي الإنتاج العالمي من الغاز، وبالتالي فإن اندلاع الحرب يعني خفض الإنتاج الذي يُضخ للعالم بنسبة 20%، وهو ما يؤثر على الأسواق العالمية كافة وليس على مصر وحدها ،وأضاف: "عندما يتراجع المعروض يرتفع السعر وتزداد الأعباء علينا".
السيناريوهات المتوقعة في حال استمرار الحرب ،أشار سعد الدين إلى أن الدولة المصرية تمتلك إدارة سياسية قادرة على إدارة الأزمات، مستشهداً بتجربة حرب أوكرانيا وروسيا التي تم خلالها تسيير الأمور، مؤكداً أنه في حال نشوب حرب في الخليج يتم اللجوء إلى بدائل.
وتابع: "كنا نستورد من الكويت والعراق، وتم استبدال ذلك بالاستيراد من ليبيا والمملكة العربية السعودية عبر البحر الأحمر". ولفت إلى أن ثلاثة عوامل رئيسية تحكم سعر الغاز: التكاليف اللوجستية، وقيمة الغاز نفسه، وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري. فكلما انخفضت قيمة الجنيه تراجعت التكلفة، كما أن القرب الجغرافي من مصادر الاستيراد يقلل من تكاليف النقل والتأمين على السفن.
وضع الطاقة والغاز في مصر لعام 2026
أوضح رئيس لجنة الطاقة باتحاد الصناعات أن مصر خرجت من أزمة مع المستثمرين الأجانب أدت إلى تراجع الإنتاج من 7 مليارات قدم مكعب يومياً إلى 4 مليارات قدم، أي بانخفاض تجاوز 40%.
وأضاف أنه تم توفير بدائل عبر استيراد الغاز المسال ووضع 4 سفن تغييز في ميناء العين السخنة لاستقبال الناقلات وضخ الغاز في الشبكة القومية للكهرباء للحيلولة دون انقطاع التيار الكهربائي.
وكشف عن إبرام اتفاقية مع إسرائيل لاستيراد غاز طبيعي بقيمة 35 مليار دولار على مدار 10 سنوات، بمتوسط ضخ يبلغ مليار قدم مكعب يومياً، فيما يتم تأمين مليار قدم أخرى عبر الناقلات. وأكد أن هذا الوضع أمّن احتياجات الدولة خلال عامي 2025-2026 ولم يحدث أي انقطاع للكهرباء عن المصانع أو محطات التوليد.
وأشار إلى أنه مع بداية 2026 تم تنفيذ خطة ثانية تمثلت في سداد مستحقات المستثمرين الذين بدأوا في ضخ استثمارات جديدة لتنمية الحقول وحفر آبار إضافية، وهو ما انعكس إيجاباً على الإنتاج الذي بدأ في التصاعد التدريجي من 4.1 مليار قدم مكعب إلى 4.5 مليار قدم، معرباً عن تفاؤله بالعودة إلى مستويات الإنتاج السابقة أو تجاوزها.
تقييم قطاع الطاقة المصري في ظل التحديات العالمية
ذكر سعد الدين أن مصر تمتلك إنتاجاً محلياً من الغاز، وكانت لديها قدرة تصديرية، فضلاً عن امتلاكها معامل تكرير يتم استيراد الخام لها من الكويت والعراق.
وشدد على أن البنية التحتية القوية تمكّن الدولة من تفادي الأزمات وإدارة الملف بكفاءة، معرباً عن تفاؤله بمستقبل القطاع. وأضاف أن الدولة تنتهج حالياً سياسة تنويع مصادر الطاقة عبر التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، الشمسية وطاقة الرياح، بهدف رفع نسبة مساهمتها في مزيج الطاقة من 18% حالياً إلى 42% كمستهدف خلال السنوات العشر المقبلة.
أبرز التحديات التي تواجه مستثمري الغاز المسال
أوضح أن المقصود بالغاز المسال هو غاز البوتاجاز LPG، مؤكداً أن ارتفاع الأسعار العالمية شكّل ضغطاً كبيراً على المصانع القائمة، خاصة أن عمولة التعبئة التي تحصل عليها المصانع من الحكومة لم تشهد زيادة رغم ارتفاع الأعباء التشغيلية بشكل ملحوظ.
وأكد أنه يجري حالياً التنسيق مع هيئة البترول لإعادة النظر في قيمة العمولة بما يتناسب مع زيادة التكاليف، داعياً الحكومة إلى سرعة التدخل لحل هذه الإشكالية.
رؤية مستقبلية للغاز المسال خلال السنوات العشر المقبلة
بيّن سعد الدين أن التوسع في استخدام الغاز الطبيعي سيقلل الاعتماد على الغاز المسال، وأن الخطة الحكومية تستهدف إحلال الغاز الطبيعي وخفض استهلاك البوتاجاز.
ولفت إلى أن الاستهلاك تراجع بالفعل خلال الفترة الماضية من 4 إلى 4.5 مليون طن سنوياً إلى نحو 3.3 مليون طن، ما يعني توفير مليون طن سنوياً. وأضاف أن الدولة تعمل على تحويل السيارات والوحدات السكنية للعمل بالغاز الطبيعي، كما أن مشروعات "حياة كريمة" تسهم في خفض استخدام الغاز المسال.
أهم المشكلات التي تواجه مصانع الطاقة
أشار إلى أن المشكلة الرئيسية تتمثل في ارتباط سعر الطاقة بالأسعار العالمية، موضحاً أن الدولة كانت تدعم المصانع كثيفة الاستهلاك ومحطات الكهرباء، وهو ما يشكل عبئاً على الموازنة العامة.
وأكد أن الحكومة مضطرة إلى رفع الأسعار تدريجياً وصولاً إلى خفض الدعم، لكنها في المقابل تضمن توفير الغاز للمصانع. وأضاف أن ارتفاع تكلفة الإنتاج يقابله زيادة في حصيلة التصدير التي توفر العملة الصعبة، وبالتالي يحدث توازن، حيث يحمّل المنتج الزيادة على المستهلك النهائي أو الجهة المتسببة فيها.
دور جمعية مستثمري الغاز المسال وملفات 2026
قال “سعد” إن دور الجمعية يتمثل في كونها حلقة وصل بين وزارة البترول، ممثلة في شركة بتروجاس والهيئة المصرية العامة للبترول، وبين مصانع تعبئة الغاز. وتعمل الجمعية على التنسيق بين متطلبات المصانع وإجراءات التعاون مع الحكومة، كما تمثل المصانع أمام الجهات الرسمية لحل أي مشكلات قد تطرأ.
تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على خريطة الغاز العالمية
أكد سعد الدين أن مصر استفادت من الحرب في جوانب وتضررت في أخرى. ففي بداية الحرب واحتياج أوروبا للغاز، كانت مصر تحصل على الغاز من إسرائيل وتقوم بإسالته في محطاتها ثم تعيد تصديره، وصدرت شحنات عديدة بأسعار جيدة.
وأضاف: "لكن مع تراجع إنتاجنا المحلي تلاشت هذه الاستفادة وأصبحنا دولة مستوردة". وشدد على أن للحرب تأثيراً شاملاً على العالم بسبب ارتفاع أسعار الغاز والمنتجات البترولية، مؤكداً أن الحروب تكون مدمرة في المجمل ولا تحقق استفادة حقيقية.
واستطرد: "المستفيد الاكبر من حرب الخليج هي روسيا، التي كان مفروضاً عليها حظر بيع وبدأت التصدير للصين والهند. وعلى عكس الحرب الأولى التي تم فيها تجميد أنشطتها بالكامل، فإنها حالياً قادرة على الاستفادة وضخ الغاز مجدداً إلى أوروبا في حال حدوث انفصال بين الولايات المتحدة وأوروبا وخروج الأخيرة من عباءة الحظر".
وكذلك المستفيد الاخر من حرب الخليج هى امريكا لأن لديها كميات من البترول كبيرة وخصوصا بعد استيلائها علي بترول فنزويلا وارتفاع الأسعار مما ضاعف من مكاسبها مع ارتفاع الأسعار .
فرص فتح أسواق جديدة للغاز المصري
اختتم سعد الدين حديثه بالتأكيد على أن استمرار ضخ الغاز من إسرائيل وقبرص، وتنمية الحقول وزيادة الإنتاج المحلي، عوامل ستمكّن مصر من الاستفادة كلما ارتفع السعر العالمي باعتبارها دولة مصدرة. مستدركاً: "لكن في الوقت الحالي مصر دولة مستوردة، وكلما ارتفع السعر العالمي زاد حجم الضرر الواقع عليها".