"الغارديان": أوروبا أمام فرصة الانفصال المالي المنظم عن أمريكا
أفادت صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن أوروبا باتت أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة علاقتها الاقتصادية والمالية مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، وصولاً إلى ما يشبه الانفصال المالي المنظّم، الذي لا يظهر للعلن بقدر ما يجري بهدوء خلف الكواليس.
وترى الصحيفة أن هذا الانفصال لا يعني قطيعة سياسية مباشرة أو صداماً علنياً، بل خطوات تدريجية تشبه ما يحدث عند فك شراكة طويلة الأمد، مثل إغلاق الحسابات المشتركة، وتقليص الالتزامات المالية المتبادلة، والحد من قدرة الطرف الأقوى على فرض شروطه.
وبالنسبة للرأي العام، قد يبدو المشهد ثابتاً، لكن على الصعيد العميق يمكن للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة البدء بفك الارتباط المالي الذي منح واشنطن نفوذاً واسعاً لعقود.
ويؤكد التحليل أن هذه العملية لن تكون سهلة ولا سريعة، إلا أنها أصبحت ضرورية وقابلة للتحقق في ظل التحولات الجارية في النظام المالي العالمي.
فالنظام الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية يتآكل منذ سنوات، ولا سيما منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ومع كل أزمة جديدة تتزايد الشكوك حول استقرار القواعد الدولية التي تقودها الولايات المتحدة.
ورغم أن صعود مؤشرات الأسهم الأمريكية، وعلى رأسها “ستاندرد آند بورز 500”، يوحي باستمرار الثقة العالمية بالاقتصاد الأمريكي، إلا أن الصورة في أسواق أخرى أقل بريقاً.
فقد خفّضت الصين خلال العام الماضي حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية، كما سارت صناديق التقاعد اليابانية في الاتجاه ذاته، في مؤشر واضح على تنامي المخاوف من تضخم أسعار الأسهم الأمريكية واحتمالات حدوث تصحيح حاد أو انهيار مفاجئ.
ويشير المقال إلى أن استمرار خروج المستثمرين من سوق السندات الأمريكية بدأ يرفع تدريجياً كلفة اقتراض الحكومة الأمريكية.
وإذا قررت أوروبا المضي قدماً في مسار الانفصال المالي، فقد تنضم إلى هذا الاتجاه عبر تقليص أو بيع ما تملكه من سندات أمريكية، بما يقلل من اعتمادها على الاقتصاد الأمريكي.
وقدّمت الدنمارك نموذجاً عملياً لافتاً، حين أعلن صندوق تقاعد الأكاديميين الدنماركيين “أكاديميكَر بنشن” قراره بيع كامل حيازته من السندات الحكومية الأمريكية.
ورغم أن القيمة ليست كبيرة مقارنة بحجم الأسوق العالمية، إلا أن الرسالة السياسية والمالية كانت واضحة: لم تعد السندات الأمريكية تُعامل بوصفها ملاذاً آمناً بلا نقاش.
ويرى المقال أن على الجهات التنظيمية الأوروبية أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في تسهيل هذا التحول، وألا تظل صناديق التقاعد أسيرة تقييمات وكالات التصنيف الائتماني، التي سبق أن أخطأت خطأً فادحاً قبل أزمة 2008 حين منحت منتجات مالية عالية المخاطر تصنيفات آمنة.
في المقابل، يطرح المقال بديلاً استراتيجياً يتمثل في أن "تقرض أوروبا نفسها بنفسها"، عبر إنشاء سوق دائمة لسندات مقوّمة باليورو تكون منافسة حقيقية لسندات الخزانة الأمريكية.
مثل هذه الأسوق ستمنح المستثمرين العالميين ملاذاً آمناً جديداً، وتخفف من هيمنة الدولار والنظام المالي الأمريكي.
كما أن اللحظة الراهنة قد تكون الأنسب أمام أوروبا لاتخاذ قرار استراتيجي طويل الأمد. فخطوة مدروسة نحو الانفصال المالي عن الولايات المتحدة قد تمنح القارة العجوز استقلالية أوسع، وتقلّل من تعرضها لتقلبات السياسات الأمريكية وتهديداتها، في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة رسم موازين القوة الاقتصادية.