الحركة حياة: حين تتحرك الأجساد يستيقظ العقل ويحيا الإنسان
في رأيي، لم تعد الحركة في عالم اليوم مجرد نشاط بدني أو ممارسة رياضية مرتبطة بالملاعب والبطولات والمنافسات، وإنما أصبحت ضرورة من ضرورات الحياة، وأحد أهم المفاتيح التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يحافظ على قوته واستقلاليته وصحته وجودة حياته، خاصة مع التقدم في العمر.
ومن واقع خبرتي الطويلة في التدريب، كمدرب سابق وصاحب تاريخ وطني مشرف، ومدير فني سابق لنادي جولدي الرياضي، ومدرب منتخب مصر الجديدة، والحاصل على أفضل النتائج كمدرب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر حصولي على 65 درعًا لبطولة الجمهورية للكاراتيه خلال 11 سنة متتالية مع إدارة مصر الجديدة، أصبحت أكثر إيمانًا بأن الرياضة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء المنافسة، وأن أعظم ما يمكن أن تقدمه الرياضة للإنسان ليس فقط ميدالية أو بطولة، وإنما أن تمنحه القدرة على أن يعيش حياته بقوة وحركة واستقلال.
إن علم الحركة ليس مجرد مجموعة من التمارين، وإنما هو فهم لطبيعة جسم الإنسان وكيف يتحرك، وكيف يمكن أن نحافظ على كفاءته وقدرته الوظيفية مع مرور السنوات. وكلما تقدم الإنسان في العمر، أصبحت المحافظة على الحركة أكثر أهمية، خاصة مع احتمال حدوث انخفاض تدريجي في الكتلة والقوة العضلية والقدرة على أداء بعض الأنشطة اليومية.
وهنا تظهر أهمية مواجهة ما يعرف بالساركوبينيا، أي فقدان الكتلة والقوة العضلية المرتبط بالتقدم في العمر. وفي تقديري، الخطأ الأكبر هو أن ينظر الإنسان إلى ضعف العضلات باعتباره أمرًا لا مفر منه لمجرد أنه تقدم في السن. العمر حقيقة لا يمكن إيقافها، لكن التوقف عن الحركة ليس قدرًا محتومًا.
فالإنسان يستطيع أن يبدأ في بناء ما يمكن أن نسميه «الاحتياطي العضلي» منذ سنوات الشباب، وأن يحافظ عليه مع مرور العمر من خلال النشاط البدني المناسب، لأن العضلات ليست فقط من أجل القوة أو الشكل، وإنما هي جزء أساسي من قدرة الإنسان على الوقوف والمشي وصعود الدرج والنهوض من الكرسي وحمل احتياجاته والقيام بأمور حياته اليومية.
وأرى أن الحركة يجب أن ننظر إليها باعتبارها استثمارًا في المستقبل، فكل تمرين مناسب، وكل خطوة يمشيها الإنسان، وكل يوم يحافظ فيه على نشاطه، يمثل إضافة إلى رصيده البدني والوظيفي الذي قد يحتاج إليه بشدة عندما تتقدم به السنوات. وما نفعله بأجسادنا اليوم لا يختفي أثره غدًا، ولذلك فإن المحافظة على القوة والمرونة والتوازن والقدرة على الحركة منذ وقت مبكر يمكن أن تكون من أهم صور الاستعداد للمستقبل.
وأرى أن المشي تحديدًا يستحق أن يحتل مكانة خاصة في حياتنا، فهو من أبسط أشكال النشاط البدني وأكثرها قابلية للممارسة، ولا يحتاج إلى تجهيزات معقدة أو قدرات رياضية استثنائية. والمهم ليس أن يمشي الإنسان لمسافات طويلة أو بسرعات عالية، وإنما أن يتحرك بانتظام وبما يتناسب مع قدراته وحالته الصحية.
المشي يعني أن الإنسان يخرج من دائرة الجلوس والخمول إلى دائرة النشاط والحياة، ويساعده على الحفاظ على قدرته على الحركة والتفاعل مع المحيطين به وممارسة أنشطته اليومية. وفي النهاية، قد تكون قيمة المشي الحقيقية ليست في عدد الكيلومترات التي قطعها الإنسان، وإنما في أنه ما زال قادرًا على الحركة.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن الحركة لا تخاطب العضلات وحدها، وإنما تخاطب العقل أيضًا. فالنشاط البدني المنتظم والمناسب يمكن أن يدعم صحة الدماغ، ويساعد على تحسين المزاج وتقليل الخمول، ويمنح الإنسان شعورًا أكبر بالحيوية والنشاط الذهني. ولذلك فإننا عندما نشجع كبار السن على الحركة، فنحن لا نحافظ على أجسادهم فقط، وإنما نساعدهم أيضًا على الاستمرار في التفاعل مع الحياة.
والأمر لا يتوقف عند العقل، فالحركة يمكن أن ترتبط كذلك بجودة النوم. والنوم الجيد ليس رفاهية، وإنما عنصر مهم من عناصر الصحة والتعافي البدني والذهني. وعندما يجتمع النشاط البدني المناسب مع النوم الكافي والتغذية الجيدة والمتابعة الصحية عند الحاجة، فإن الإنسان يكون أمام منظومة متكاملة تساعده على الحفاظ على نشاطه وحيويته وجودة حياته.
ومن هنا أرى أن التوازن يجب أن يحظى باهتمام خاص، خصوصًا مع التقدم في العمر، لأن القدرة على الحفاظ على الاتزان والتحكم في الحركة جزء أساسي من القدرة على ممارسة الحياة اليومية بأمان. ولذلك فإن تمارين التوازن والتوافق الحركي والمرونة، إلى جانب تمارين القوة المناسبة، ليست أمورًا ثانوية، وإنما مكونات مهمة في منظومة الحفاظ على القدرة الوظيفية والاستقلالية.
كما أن الحفاظ على القدرة على الحركة لا ينعكس على الجسد فقط، بل يمنح الإنسان شعورًا أكبر بالثقة في قدرته على الاعتماد على نفسه. فالإنسان الذي يستطيع أن يقف ويمشي ويتحرك ويقضي جزءًا كبيرًا من احتياجاته اليومية بنفسه، يشعر بأنه ما زال قادرًا على العطاء والمشاركة، وهو شعور إنساني بالغ الأهمية لا ينبغي أن نغفله.
ومن أكثر الأمور التي يجب أن ننتبه إليها أن المحافظة على الحركة هي في الحقيقة محافظة على الاستقلالية. فأن يستطيع الإنسان أن ينهض من كرسيه، ويمشي داخل منزله، ويصعد السلم، ويقضي احتياجاته، ويتحرك دون الاعتماد الكامل على الآخرين، كل ذلك يمثل ثروة حقيقية لا يشعر بقيمتها الإنسان إلا عندما يفقد جزءًا منها.
وأرى أن أخطر الأفكار التي يجب أن نواجهها هي ثقافة «كبرنا خلاص»، وكأن التقدم في العمر يعني أن الإنسان يرفع الراية البيضاء أمام الحركة والنشاط. نعم، قدرات الإنسان تتغير مع العمر، لكن هذا لا يعني أن دوره في الحياة انتهى، ولا يعني أن عليه أن يستسلم للخمول. المطلوب فقط أن تتغير طريقة ممارسة النشاط لتصبح أكثر وعيًا وملاءمة لقدراته وحالته الصحية.
ومن هنا أرى أن الجلوس الطويل والخمول ليسا مجرد عادات بسيطة يمكن تجاهلها، لأنهما قد يدفعان الإنسان تدريجيًا إلى دائرة تبدأ بقلة الحركة، ثم ضعف العضلات، ثم صعوبة الحركة، ثم المزيد من الجلوس والاعتماد على الآخرين. وكسر هذه الدائرة يبدأ بخطوة، وقد تكون هذه الخطوة مجرد المشي أو ممارسة تمرين بسيط وآمن يتناسب مع قدرات الإنسان.
والرياضة هنا ليست بالضرورة تدريبًا شاقًا أو رفع أوزان كبيرة، وإنما قد تكون تمارين مقاومة مناسبة، أو مشيًا، أو تدريبات للتوازن والمرونة والتوافق الحركي، أو حتى المحافظة على النشاط في تفاصيل الحياة اليومية. المهم هو الاستمرارية، وأن تكون الحركة مناسبة لقدرات الإنسان وحالته الصحية.
كما أنني أرى أن الوقاية يجب أن تبدأ قبل ظهور الضعف، فلا ينبغي أن ننتظر حتى يشعر الإنسان بأنه لم يعد قادرًا على الحركة ثم نسأله لماذا توقف عن الرياضة. علينا أن نزرع ثقافة الحركة منذ الصغر، وأن نعلم أبناءنا أن الرياضة ليست موسمًا أو مرحلة عمرية تنتهي، وإنما أسلوب حياة يستمر معنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.
ولا يمكن أن نتحدث عن الحركة بمعزل عن التغذية والنوم والرعاية الصحية. فالعضلات تحتاج إلى تغذية مناسبة، والجسم يحتاج إلى النوم، وأي ألم مستمر أو ضعف غير معتاد أو مشكلة متكررة في التوازن والحركة تستحق التقييم الطبي، لأن الهدف ليس أن نمارس الرياضة بأي ثمن، وإنما أن نمارس النشاط بصورة آمنة وواعية ومناسبة لكل إنسان.
وللأسرة أيضًا دور بالغ الأهمية، فدعم كبار السن وتشجيعهم على الحركة وتوفير بيئة آمنة لهم قد يصنع فارقًا كبيرًا، لكن دون ضغط أو إجبار. المطلوب أن نشجع الإنسان على الحركة، لا أن نشعره بالعجز؛ وأن نساعده على الاستقلال، لا أن نرسخ لديه فكرة أنه أصبح غير قادر على فعل شيء.
كما أن المجتمع نفسه يستطيع أن يؤدي دورًا مهمًا في نشر ثقافة الحركة، من خلال توفير بيئات آمنة ومناسبة لممارسة النشاط البدني لمختلف الأعمار، وتشجيع كبار السن على المشاركة في الأنشطة المجتمعية والرياضية المناسبة لقدراتهم، لأن الحركة لا ينبغي أن تكون مسؤولية فردية فقط، وإنما ثقافة مجتمعية تحمي الإنسان وتحافظ على قدراته.
ومن خلال سنوات عملي في التدريب، تعلمت أن المدرب لا ينبغي أن يكون دوره صناعة الأبطال فقط، بل صناعة الوعي أيضًا. فالميدالية تنتهي لحظتها، والبطولة تسجل في التاريخ، لكن الثقافة الرياضية التي يتعلمها الإنسان وتظل معه طوال حياته يمكن أن تكون أعظم أثرًا وأطول عمرًا.
لقد حصلت على 65 درعًا لبطولة الجمهورية للكاراتيه خلال 11 سنة متتالية مع إدارة مصر الجديدة التعليمية، وأعتز بكل إنجاز رياضي تحقق، لكنني أؤمن أن القيمة الأعمق للرياضة تتجاوز عدد البطولات والدروع. فالرياضة التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على الحياة، وأكثر ثقة في نفسه، وأكثر استقلالًا، وأكثر ارتباطًا بمجتمعه، هي الرياضة التي أدت رسالتها الحقيقية.
وأقولها بوضوح: لا تنتظروا الألم حتى تتحركوا، ولا تنتظروا الضعف حتى تهتموا بالعضلات، ولا تنتظروا التقدم في العمر حتى تكتشفوا قيمة المشي.
ابدأوا بما تستطيعون، واستمروا بما يناسبكم، واجعلوا الحركة جزءًا طبيعيًا من يومكم.
فكل خطوة لها قيمة، وكل حركة لها معنى، وكل تمرين مناسب قد يكون استثمارًا في المستقبل.
إننا لا نتحرك فقط لكي نحافظ على عضلات قوية، وإنما نتحرك لكي نحافظ على عقل أكثر نشاطًا، ونوم أفضل، ونفسية أكثر توازنًا، وقدرة أكبر على التواصل مع الآخرين، واستقلالية أطول، وجودة حياة أفضل.
وفي النهاية، أؤمن أن الحركة حياة بالفعل، وأن أعظم انتصار يمكن للإنسان أن يحققه ليس فقط أن يفوز في ملعب، وإنما أن يظل قادرًا على الحركة والحياة بعد أن يغادر الملعب.
نحن لا ندرب العضلات فقط من أجل الملعب، وإنما نحافظ بالحركة على الإنسان من أجل الحياة.
فلنجعل الحركة ثقافة، والرياضة أسلوب حياة، والنشاط عادة يومية، لأن الإنسان ما دام قادرًا على الحركة، فما زالت أمامه مساحة واسعة للحياة والعطاء والأمل.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا ليس فقط: كم سنة عشنا؟ وإنما: كم سنة من حياتنا عشناها ونحن قادرون على الحركة والاستقلال والعطاء؟
إن الحفاظ على الحركة ليس معركة ضد العمر، وإنما هو احترام للعمر، واستثمار في صحته، وتمسك بقدرة الإنسان على أن يظل فاعلًا وقادرًا على العطاء في كل مرحلة من مراحل حياته.
الحركة حياة.. فلنحافظ عليها، ولنجعلها أسلوب حياة في كل الأعمار.
