عاجل
الجمعة 31 يوليو 2026
رئيس مجلس الادارة
رجب رزق
رئيس التحرير
سامي خليفة
الرئيسية القائمة البحث

محمد الإتربي.. حين تصنع المواقف قيمة الرجال

في الحياة مواقف كثيرة تمر بنا، بعضها ننساه سريعًا، وبعضها يبقى في الذاكرة مهما مرت السنوات.

وهناك مواقف أخرى لا تكتفي بأن تترك أثرًا في النفس، وإنما تجعلنا نتوقف أمام أصحابها، ونشعر أن من واجبنا أن نقول لهم كلمة قد تبدو بسيطة في حروفها، لكنها كبيرة في معناها: شكرًا.

ومن هنا أكتب اليوم عن قامة مصرفية مصرية أقدّرها كثيرًا، ليس فقط لما تمثله من خبرة ومكانة في القطاع المصرفي، وإنما لما لمسته من جانب إنساني راقٍ يؤكد أن قيمة المسؤول لا تُقاس بمنصبه وحده، وإنما بما يتركه من أثر طيب في نفوس الناس.

إنه المصرفي الكبير والقدير الأستاذ محمد الإتربي، رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري ورئيس اتحاد بنوك مصر، وأحد أبرز القامات المصرفية المصرية والعربية والدولية.

وقد يقول البعض إن الحديث عن القيادات المصرفية يجب أن يتركز على الأرقام والنتائج والمؤشرات والقرارات والسياسات، وهذا صحيح من الناحية المهنية، لكنني أرى أن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو الإنسان الذي يقف خلف المنصب.

فالمنصب قد يمنح صاحبه سلطة ومسؤولية، لكنه لا يمنحه بالضرورة احترام الناس ومحبتهم.

هذه المكانة تُكتسب بالمواقف، وبالأخلاق، وبطريقة التعامل مع الآخرين، وبالقدرة على أن يظل الإنسان متواضعًا مهما ارتفع موقعه.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة الأستاذ محمد الإتربي في نظري.

فهو يجمع بين الخبرة المصرفية العميقة، والرؤية، والقدرة على القيادة، وبين التواضع والإنسانية وحسن التعامل.

وهذه معادلة ليست سهلة، لأن الجمع بين قوة المسؤولية ورقي التعامل يحتاج إلى شخصية تدرك أن القيادة ليست استعلاءً على الآخرين، وإنما مسؤولية تجاههم.

وأعتقد أن أعظم ما يمكن أن يتركه المسؤول بعد سنوات عمله ليس فقط الملفات التي أنجزها أو القرارات التي اتخذها، وإنما الأثر الإنساني الذي تركه فيمن تعامل معهم.

فقد تتغير المناصب، وتتبدل المواقع، وتتوالى الأسماء، لكن الموقف النبيل يبقى.

قد ينسى الإنسان كثيرًا من الكلمات التي سمعها، لكنه لا ينسى من وقف بجانبه في وقت احتاج فيه إلى المساعدة.

وقد لا يتذكر تفاصيل كثيرة من مسيرته، لكنه يتذكر جيدًا اليد التي امتدت إليه، والكلمة التي أسعدته، والموقف الذي أعاد إليه الأمل.

ومن هنا أرى أن الحديث عن القيادات لا ينبغي أن يقتصر على المناصب والألقاب، وإنما يجب أن يمتد إلى القيم التي يمثلها أصحاب هذه المناصب.

فالقيادة الحقيقية في رأيي ليست أن يكون المسؤول في أعلى مكان، وإنما أن يظل قادرًا على رؤية الإنسان الموجود في أسفل الهرم، وأن يدرك أن وراء كل طلب قصة، ووراء كل شكوى إنسانًا، ووراء كل احتياج أسرة، وأن التعامل مع الناس ليس مجرد إجراء إداري، وإنما مسؤولية أخلاقية أيضًا.

ولذلك فإنني لا أكتب هذه الكلمات باعتبارها مجاملة عابرة، ولا باعتبارها مجرد إشادة بشخصية مصرفية بارزة، وإنما باعتبارها شهادة تقدير شخصية لرجل أرى أن بعض مواقفه تستحق أن يُتوقف أمامها.

ويعجز القلم، ولو كتب بعدد أشجار الأرض أقلامًا، ومُلئت بحور الدنيا حبرًا، أن يعبر عن حجم الشكر والتقدير الذي يمكن أن يحمله الإنسان في قلبه تجاه من أسعده بموقف نبيل.

كما يعجز اللسان أحيانًا عن الوفاء بحق بعض الأشخاص، لأن الكلمات مهما كانت جميلة تظل أقل من حجم الموقف.

وهنا أجدني أقول للأستاذ محمد الإتربي بكل صدق:
شكرًا.

شكرًا على موقفكم الكريم.
شكرًا على إنسانيتكم النبيلة.

شكرًا على تواضعكم الجم.

شكرًا لأنكم تؤكدون أن هيبة المسؤول لا تنتقص عندما يكون إنسانًا، وأن قوة القيادة لا تتعارض مع الرحمة، وأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يكون للإنسان نصيب من أثره.

إنني أؤمن أن المؤسسات العظيمة لا تُبنى فقط بالخطط والسياسات والقرارات، وإنما تُبنى أيضًا بالإنسان الذي يحمل مسؤوليتها ويؤمن برسالتها.

ولهذا فإن أي مؤسسة مهما بلغت قوتها تحتاج إلى قيادات تمتلك الخبرة والكفاءة، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى قيادات تعرف قيمة الإنسان.

وهذه هي الصورة التي أراها جديرة بالتقدير.

وفي زمن أصبحت فيه المناصب أحيانًا محل اهتمام أكبر من المواقف، أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة جدًا: ليس المهم فقط أين يجلس المسؤول، وإنما ماذا يفعل وهو في موقعه.

فالمكان قد يصنع الظهور، لكن المواقف هي التي تصنع القيمة.

والألقاب قد تمنح صاحبها التعريف، لكن الأخلاق هي التي تمنحه الاحترام.

والمنصب قد يجعل الناس يعرفون اسم الإنسان، لكن الإنسانية هي التي تجعلهم يتذكرونه بخير.

ولهذا أرى أن معالي الرمز الوطني الكبير صاحب الأخلاق السامية السيد الأستاذ محمد الإتربي يمثل نموذجًا يستحق التقدير؛ لأنه يجمع في صورته المهنية بين الخبرة المصرفية والمكانة القيادية، وفي صورته الإنسانية بين التواضع والنبل وحسن التعامل.

وقد يختلف الناس في تقييم المسؤولين والقيادات، وهذا أمر طبيعي، لكن هناك قيمة لا أعتقد أن الاختلاف حولها يمكن أن يلغيها، وهي أن الموقف النبيل يستحق الشكر، وصاحب الموقف النبيل يستحق التقدير.

ومن هذا المنطلق، أكتب هذه السطور لأقول إن بعض كلمات الشكر لا تُكتب من أجل صاحبها فقط، وإنما تُكتب أيضًا حتى لا تمر المواقف الجميلة في حياتنا مرور الكرام.

فمن واجبنا أن نُقدّر من أحسن، وأن نشكر من أسعد، وأن نقول لأصحاب المواقف: لقد رأينا ما فعلتم، وقدّرنا ما قدمتم، ولن ننساه.

وفي النهاية، قد تتغير المناصب والألقاب، وقد تتبدل المواقع مع مرور الأيام، لكن شيئًا واحدًا يبقى: سيرة الإنسان في قلوب من عرفوه.

ولهذا فإنني أقول للأستاذ محمد الإتربي: شكرًا لأنكم أثبتم أن المنصب يمكن أن يكون بابًا لخدمة الناس، وأن المكانة يمكن أن تتسع للإنسانية، وأن القيادة يمكن أن تجتمع مع التواضع، وأن بعض الرجال تسبق مواقفهم أسماءهم.

حفظكم الله ورعاكم، وبارك في جهودكم، وكتب لكم الخير والتوفيق والسداد، وجزاكم عن كل موقف نبيل، وكل إنسان أسعدتموه، خير الجزاء.

وتبقى كلمة أخيرة: قد تنتهي المناصب، وقد تتغير الألقاب، لكن المواقف النبيلة لا تنتهي.. لأنها ببساطة تظل حية في ذاكرة من صنعت لهم فرقًا.