هل يستطيع الدماغ الشعور بنظرات الآخرين حتى دون رؤيتهم؟
هل سبق أن شعرت بأن أحدهم يراقبك، فالتفتّ لتجده ينظر إليك بالفعل؟ هذا الإحساس الذي يراود كثيرين، حتى عندما تكون أعينهم منشغلة بشيء آخر، قد يبدو أشبه بحاسة سادسة، لكن تفسيره يرتبط بآليات دقيقة في الدماغ تطورت عبر آلاف الأجيال.
ووفقاً لموقع "فوتورا ساينس" الفرنسي، فإن الشعور بنظرات الآخرين لا يستند بالضرورة إلى التخاطر أو قدرات خارقة، بل قد ينتج عن معالجة الدماغ للمعلومات البصرية التي تلتقطها العين من محيطها، حتى من دون الانتباه إليها بوعي.
مسارات بصرية تعمل دون وعينا
لا تقتصر معالجة المعلومات البصرية في الدماغ على المسار المسؤول عن الرؤية الواعية، إذ توجد مسارات عصبية أخرى تتيح التقاط إشارات من البيئة المحيطة بصورة سريعة وتلقائية.
وتستطيع العين، حتى عندما يتركز الانتباه على الهاتف أو كتاب، رصد الحركة والتغيرات في مجال الرؤية الجانبي. وعندما يوجّه شخص قريب وجهه أو عينيه نحوك، قد تلتقط العين هذه الإشارات، ليعالجها الدماغ بسرعة ويحفزك على الالتفات للتحقق من مصدرها.
وتؤدي اللوزة الدماغية، وهي منطقة ترتبط بمعالجة التهديدات والانفعالات، دوراً في الاستجابة لبعض هذه الإشارات، ما قد يفسر الشعور المفاجئ بوجود من يراقبك.
ما الذي يميز العين البشرية؟
تتمتع العين البشرية بميزة تشريحية تساعد على تحديد اتجاه النظرات، تتمثل في التباين الواضح بين بياض العين والقزحية الداكنة. ويسهّل هذا الاختلاف على الدماغ تقدير اتجاه نظر الآخرين، حتى عندما تكون وجوههم مائلة قليلاً أو تكون الإضاءة ضعيفة نسبياً.
ويُعتقد أن هذه الخاصية أسهمت في تعزيز التواصل غير اللفظي والتعاون بين البشر، إذ كان الانتباه إلى اتجاه نظرات أفراد المجموعة مهماً في الماضي للتنبه إلى الأخطار المحتملة وفهم نوايا الآخرين.
لماذا نشعر أحياناً بأننا مراقبون من دون سبب؟
لا يعني الشعور بأن أحداً يراقبنا أن ذلك يحدث فعلاً في كل مرة. فعندما تكون الرؤية غير واضحة، بسبب الظلام أو النظارات الشمسية أو زاوية النظر، قد يميل الدماغ إلى افتراض أن نظرات الشخص الآخر موجهة إلينا.
ويرتبط ذلك بآلية حذرة تشكلت عبر التطور؛ فالاعتقاد الخاطئ بأن شخصاً يراقبنا لا يترتب عليه عادة ضرر كبير، بينما قد يؤدي عدم الانتباه إلى خطر حقيقي إلى عواقب جسيمة. لذلك قد يرجّح الدماغ أحياناً الاحتمال الأكثر حذراً عند غياب المعلومات الواضحة.
ويفسر علم النفس استمرار هذا الاعتقاد أيضاً بما يُعرف بـ "الانحياز التأكيدي"، إذ نتذكر المرات التي نلتفت فيها ونجد شخصاً ينظر إلينا، بينما قد ننسى الحالات التي لا نجد فيها أحداً يراقبنا. كما أن الالتفات المفاجئ قد يدفع المحيطين بنا إلى النظر في اتجاهنا، ما يعزز الاعتقاد بأن إحساسنا كان صحيحاً.
وبحسب الخبراء، فإن الشعور بنظرات الآخرين لا يمثل دليلاً على امتلاك حاسة خارقة، بل قد يكون نتيجة تفاعل بين الإشارات البصرية التي لا ننتبه إليها بوعي، وطريقة الدماغ في تفسيرها والاستجابة لها.