عاجل
الخميس 17 سبتمبر 2026
رئيس مجلس الادارة
رجب رزق
رئيس التحرير
سامي خليفة
الرئيسية القائمة البحث

القضاء الإداري يحسم مصير نشر صور الأطفال والمتهمات على صفحات الداخلية

محكمة
محكمة

قضت الدائرة الأولى للحقوق والحريات بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، بعدم قبول الدعوى رقم 2241 لسنة 80 قضائية، المقامة من الدكتور هاني سامح، المحامي، لوقف وإلغاء نشر صور الأطفال والقاصرات والمتهمات على الصفحات الرسمية لوزارة الداخلية، مستندة في قضائها إلى انتفاء الصفة والمصلحة الشخصية المباشرة لمقيم الدعوى، على سند من أن النشر محل الطعن لم يمسه شخصيًا ولم يؤثر في حق ذاتي أو مركز قانوني خاص به.

تفاصيل الحكم 
ويأتي الحكم قبل أيام من مقتل الطفلة آية، 16 عامًا، التي كانت طفلة ضحية وليست متهمة، بعد واقعة تغيبها والعثور عليها وإعادتها إلى أسرتها، وهي القضية التي أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن نشر صور الأطفال والقاصرين عبر الصفحات الأمنية وما يمكن أن يترتب على كشف هوياتهم وتداول صورهم على نطاق واسع. وتفيد تقارير منشورة بأن الواقعة انتهت بمقتلها عقب عودتها إلى منزل أسرتها.

وكانت الدعوى، التي أقيمت في أكتوبر 2025، قد سبقت الواقعة بنحو عام، وحذرت في صحيفتها ومذكراتها من أن نشر صور الأطفال والقاصرات والنساء على الصفحات الرسمية لوزارة الداخلية، وإتاحتها لملايين المتابعين وإعادة تداولها عبر مواقع التواصل ومحركات البحث، يمكن أن يحول الصفحة الأمنية من وسيلة للإعلام إلى أداة لكشف الهوية والوصم الاجتماعي والتشهير، وأن التمويه الجزئي للوجه لا يمنع التعرف على صاحب الصورة من خلال الملامح والملابس والبنية والبيانات والظروف المصاحبة للنشر.

نشر صور المتهمات
وطلب سامح من المحكمة وقف وإلغاء قرارات وزارة الداخلية بنشر صور المتهمات والمتهمين والأطفال المقبوض عليهم والمنسوب إليهم ارتكاب جرائم مخلة بالشرف والآداب والقيم، ومنع نشر صور جديدة تكشف كليًا أو جزئيًا هوية أصحابها قبل صدور أحكام باتة، مع حظر تام لتصوير أو نشر أي بيانات أو صور تخص الأطفال، وحذف المنشورات السابقة، والحد من ظهورها في نتائج البحث والأرشيفات الإلكترونية، ووضع ضوابط مكتوبة وملزمة للنشر الأمني على مواقع التواصل.

واستندت الدعوى إلى المادة 51 من الدستور بشأن صون الكرامة الإنسانية، والمادة 57 بشأن حرمة الحياة الخاصة، والمادة 80 التي تقرر الحماية الخاصة للطفل ومصلحته الفضلى، والمادة 96 بشأن قرينة البراءة والمحاكمة العادلة، والمادة 99 المتعلقة بحماية الحقوق والحريات، إلى جانب الضمانات الدستورية الخاصة بمعاملة المقبوض عليهم وصون حرياتهم الشخصية.

كما تمسكت الدعوى بأحكام قانون الطفل، وعلى الأخص القيود المفروضة على نشر ما يكشف هوية الطفل خلال الإجراءات، واعتبرت أن الحماية التي قررها المشرع للطفل لا تتحقق بوضع شريط تمويه محدود على عينيه أو جزء من وجهه بينما تظل بقية ملامحه وهيئته وملابسه والبيانات المحيطة به كافية للتعرف عليه.

وامتدت أسانيد الدعوى إلى قانون العقوبات وقواعد حماية سير العدالة وسرية التحقيقات، مستندة إلى المواد المنظمة للنشر المتصل بالمحاكمات والتحقيقات والتأثير في الرأي العام، فضلًا عن نصوص القذف والطعن في العرض بطريق النشر، ودفعت بأن قرينة البراءة لا تتفق مع تقديم الشخص إلى جمهور مواقع التواصل مقرونًا باتهام مشين قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية فيه.

وأكدت صحيفة الدعوى أن الضرر لا يقف عند لحظة نشر الصورة، إذ يمكن نسخ المنشور وحفظه وإعادة نشره وتداوله خارج الصفحة الرسمية، فضلًا عن بقائه في محركات البحث والأرشيفات الرقمية، بما يجعل أثره ـ وفق ما ورد بالدعوى ـ متجددًا وقد يستمر حتى بعد البراءة أو انتهاء القضية.

وكان تقرير هيئة مفوضي الدولة قد أوصى بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرطي الصفة والمصلحة، مستندًا إلى أن أوراق القضية لم تثبت أن قرار النشر مس حقًا ذاتيًا لهاني سامح شخصيًا، أو أنه يوجد في مركز قانوني خاص يتأثر مباشرة بالقرار المطعون عليه.

وخلص التقرير إلى أن مجرد إقامة المحامي للدعوى دفاعًا عن حقوق الأطفال والنساء والقاصرات وقرينة البراءة لا يكفي، وفق مفهوم المصلحة الذي استند إليه، لقبول دعوى الإلغاء، طالما أن مقيمها لم يكن هو صاحب إحدى الصور المنشورة ولم يقع عليه شخصيًا أثر القرار محل الطعن.

وبذلك انصب أساس عدم القبول على شخص رافع الدعوى ومدى اتصال الضرر به، رغم أن الدعوى ذاتها كانت موجهة إلى ممارسة عامة تمثلت في نشر صور أشخاص آخرين، وفي مقدمتهم الأطفال والقاصرات، وطالبت بوضع قاعدة عامة تحول دون كشف هوياتهم على الصفحات الرسمية.

وتأتي واقعة آية لتضيف بعدًا أكثر قسوة إلى القضية؛ فالطفلة لم تكن متهمة في قضية آداب أو متهمة بجريمة أصلًا، وإنما كانت طفلة قاصر وضحية، وهو ما يوسع التساؤل الذي أثارته الدعوى من البداية: ليس فقط عن نشر صور المتهمين قبل إدانتهم، وإنما عن حدود نشر صور الأطفال من الأساس وما يترتب على كشف هويتهم أمام جمهور غير محدود.

وكان جوهر الدعوى أن الصفحة الرسمية لجهة عامة تختلف في طبيعتها وأثرها عن التداول العادي بين الأفراد؛ إذ يمنح النشر الرسمي المعلومة والصورة انتشارًا ومصداقية مضاعفين، ثم تنتقل المادة المنشورة إلى صفحات ومجموعات وحسابات أخرى قد لا يكون ممكنًا السيطرة عليها أو استردادها لاحقًا.

وطالبت الدعوى لهذا السبب بألا تقتصر الحماية على وضع تمويه شكلي على الصورة، وإنما تمتد إلى منع نشر ما يسمح بالتعرف على الطفل أصلًا، وعدم ذكر التفاصيل التي تقود إلى هويته، وحظر تصوير الأطفال ونشر صورهم، ووضع قواعد مكتوبة تحكم النشر الأمني بدل تركه للممارسة التقديرية على منصات التواصل.

وكانت الدعوى قد حذرت كذلك من أن إتاحة صورة شخص على صفحة يتابعها الملايين تفتح الباب أمام «محاكمة شعبية» بالتعليقات والمشاركات والسخرية والاتهامات، بينما قد تنتهي القضية بعد شهور أو سنوات إلى البراءة؛ وهو ما وصفته الصحيفة بأنه عقاب اجتماعي يسبق العقوبة القضائية ويصعب محو آثاره لاحقًا. وتؤكد التغطيات المنشورة للدعوى أن هذه المخاوف كانت من صميم أسباب الطعن منذ إقامته.

وبعد نحو عام من إقامة الدعوى والتحذير من مخاطر كشف هوية الأطفال والقاصرات على صفحات التواصل الرسمية، صدر الحكم بعدم قبولها على أساس أن المحامي الذي أقامها لم يكن هو الشخص الذي تناولته منشورات الداخلية ولم يمسه النشر في مصلحة شخصية مباشرة؛ فيما جاءت مأساة الطفلة آية بعد ذلك لتضع قضية حماية الأطفال من آثار النشر وكشف الهوية مجددًا في قلب النقاش العام.

وقال سامح إنه سيتخذ إجراءات الطعن على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، منازعًا فيما انتهى إليه بشأن انتفاء الصفة والمصلحة، ومتمسكًا بطلباته المتعلقة بوقف نشر صور الأطفال والقاصرات والمتهمات ووضع ضوابط قانونية للنشر الأمني على منصات التواصل الاجتماعي، استنادًا إلى أحكام الدستور وقانون الطفل والقواعد القانونية المنظمة لحماية الخصوصية وقرينة البراءة.